الجواد الكاظمي
167
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
« مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ » عبدا كان أو أمة ، وهو بيان لما تقدم ، « والَّذِينَ » مع صلته مبتدأ خبره « فَكاتِبُوهُمْ » ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط ، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر هذا تفسيره . والأكثر من العلماء على أن الأمر للندب ، ونقل في المجمع انه للوجوب عن جماعة قليلة من العامة إذا طلبه العبد بقيمته أو بأكثر وعلم السيد فيه خيرا ، ولو كان بدون قيمته لم يلزم . وربما احتجوا عليه بما روي أن عمر أمر إنسانا بأن يكاتب سيرين أبا محمّد بن سيرين فأبى فضربه بالدرّة ، فلم ينكر أحد من الصحابة عليه ( 1 ) . ولا يخفى ضعف هذا القول للأصل ، ولعموم قوله ( 2 ) « لا يحل مال امرئ مسلم الا من طيب قلبه » ، ولأن طلب الكتابة كطلب بيعه ممّن يعتقه في الكفارة ، ولا قائل هناك بالوجوب فلا يجب هنا . وهذه طريقة المعاوضة أجمع [ ولئلا يبطل أثر الملك ] . وإطلاق الآية يقتضي جوازها حالَّة ومؤجلة ، واليه ذهب جماعة من الأصحاب ووافقهم الحنفية ، واعتبر آخرون في صحتها كونها مؤجلة وهو قول الشافعية نظرا إلى أن ما يقع عليه الكتابة غير حاصل حالة العقد لعجزه عن العوض حينئذ ، وانما يكون متوقعا حصوله بالكسب وهو غير معلوم الوقت ، فان ما في يد العبد لمولاه فلا تصح المعاملة عليه ، وحينئذ فلا بد من ضرب الأجل تحفظا من الجهالة ، [ ولأن السلف من عهد النبي صلى اللَّه عليه وآله لم يعقدوا الكتابة الا على عوض مؤجل ، وهو كالإجماع على تعين الأجل منها . ] وضعفه ظاهر ، إذ لا يلزم من كون ما في يده لمولاه قبل الكتابة عدم جواز كونها حاله ، إذ يجوز أن يحصل له من تملكه مال الكتابة بعد وقوعها ، ولأنهم اتفقوا على أنه يجوز العتق على مال في الحال ، وظاهر أن الكتابة مثله [ والإجماع على ذلك ممنوع ، ونقل افراد خاصة لا يوجب كون جميع ما وقع كذلك ، سلمنا لكن لا يلزم البطلان في المتنازع فيه ، إذ نهاية ذلك عدم استعمالهم فيه ، وهو غير البطلان . ]
--> ( 1 ) المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 6 س 101 أخرجه عن البخاري . ( 2 ) مر مصادر الحديث قبلا واللفظ هناك عن طيب نفسه .